سيد محمد طنطاوي

254

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حقوق هذه الأمانة التي التزموا بحملها . قال الآلوسي : * ( إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * أي : بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة اللَّه ويكفى في صدق الحكم على الجنس بشيء ، وجوده في بعض أفراده ، فضلا عن وجوده في غالبها . . « 1 » . وقال بعض العلماء : ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن . وقد جاء فعلا في آية من كتاب اللَّه ، وهي قوله - تعالى - : وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه إِلَّا فِي كِتابٍ . . . لأن الضمير في قوله : ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي ، كما هو ظاهر . وهذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة : عندي درهم ونصفه . أي : ونصف درهم آخر « 2 » . وأصحاب هذا الاتجاه يقولون : لا مانع إطلاقا من أن يخلق اللَّه - تعالى - إدراكا ونطقا للسموات والأرض والجبال ، ولكن هذا الإدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - . ومما يشهد لذلك قوله - تعالى - : تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ، ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً « 3 » . قال الجمل : وكان هذا العرض عليهن - أي على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما ، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها . والجمادات كلها خاضعة للَّه - تعالى - مطيعة لأمره ، ساجدة له . قال بعض أهل العلم : ركب اللَّه - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة ، حتى عقلن الخطاب ، وأجبن بما أجبن « 4 » . ويرى بعضهم أن العرض في الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل ، أو من قبيل المجاز . قال الإمام القرطبي ما ملخصه : لما بين - تعالى - في هذه السورة من الأحكام ما بين ، أمر بالتزام أوامره ، والأمانة تعم جميع وظائف الدين ، على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور . .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 96 . ( 2 ) تفسير « أضواء البيان » ج 6 ص 606 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي . ( 3 ) سورة الإسراء الآية 44 . ( 4 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 458 .